أقف عند باب الغرفة، التي تخفي خلف جدرانها ( شريك حياتي ! )
رجلاي كانتا ترتجفان، و يداي ترتعشان ، أما قلبي فتدحرج على الأرض !
" أدخلي يا لمى ! هيا ! "
تشجعني والدتي، و كذلك شقيقي، و لا أجرؤ على خطو خطوة واحدة بعد !
" كريم يا أخي، أخبرني، على أي مقعد يجلس هو ؟؟ "
"على المقعد الأوسط، أمام النافذة ! هيا ادخلي لمى ! "
عوضا عن ذلك، أتراجع للوراء... و أطير إلى المرآة ، أتأمل شكلي للمرة الألف !
" هل أنا جيدة هكذا ؟ هل أبدو أنيقة ؟ إنني لست خبيرة ما يكفي في استخدام الماكياج ! "
" أوه لمى ! جميلة جدا ! هيا اذكري اسم الله و ادخلي ! "
" أريد عباءة ! "
نعم أريد عباءة، أختفي تحتها ، كيف لي أن أظهر فجأة هكذا بكامل زينتي أمام رجل غريب، لم أره في حياتي قط !؟؟
تضحك أمي، و تقول محاولة تشجيعي :
" هل أدخل معك؟ هيا عزيزتي سأدخل معك حتى تشعري بالأمان "
آه لو تدخلين يا أمي ! سأشعر بخجل مضاعف..بل سأقع مغشية على الأرض !
عدت ُ إلى الباب، و أنا أحمل فرشاة شعري في يدي، متمسّكة بها لآخر لحظة !
دفعتها إلى أمي، أمسكت بمقبض الباب، تلوت آية الكرسي و سميت بسم الله..
أدرت المقبض و حركت الباب ببطء شديد جدا.. كأنني لص يتسلل إلى إحدى الغرف بحذر !
انفتح الباب بمقدار يسمح لي برؤية شيء ما يجلس على المقعد الأوسط، أمام النافذة ، و يسمح لذلك الشيء برؤيتي !
سجدت عيني على الأرض فورا و بقيت ساجدة إلى ما شاء الله !
أغلقت الباب من بعدي دون شعور، بصراحة، لست متأكدة من أنني أنا من أغلقه ! لكني وجدته مغلقا !
أسير نحو الداخل ببطء محنية الرأس غاضة البصر
مع ذلك، استطيع أن أرى الجسم المغطى بالبياض، يتحرك، يقف، يقترب مني، يتحدّث..يتمتم، يمد يده..يطلب مصافحتي !
يدي أنا..أصبحت الأن في يد رجل غريب !
( وأ ! )
هناك باقة من الزهور، ارتفعت عن الطاولة، و جلست في يدي، لكن كيف ... لا أعلم !
اعتقد أنه أشار إلي بأن أجلس إلى جواره، على نفس المقعد، ( احترم نفسك ! ) ألا أنني جلست على المقعد المجاور... و عليه..دخلت في سبات عميق ...
مر الوقت، و أنا لا أجرؤ على الكلام، على رفع نظري إليه، على الحراك، على التنفس ، أو حتى على طرف العين!
لاتزال عيني ساجدة على الأرض، في قنوت و خشوع شديدين !
اعتقد أنه حاول التحدث، حاول قول شيء.. أي شيء.. لكنه أيضا كان شديد الإضطراب !
" مبروك، عسى الله أن يديم رباطنا طويلا ، و يسعدنا معا .. إن شاء الله ! "
" ............... " ( لا تعليق ! )
" لا أعرف ماذا أقول! إنه الحياء الذي لا بد منه ! "
" ............... " ( فقط سجود و خشوع ! )
" هذا سيزول مع الوقت... بعد ذلك سنعتاد على بعضنا البعض ! "
" ............... " ( صم ، بكم عمي ، و هم لا يفقهون ! )
" سأحاول التغلب على الخجل ، أنت ِ أكثر خجلا منّي بطبيعة الحال ! أرجوك تخلّي عن حيائك قليلا و حدّثيني عن نفسك ! "
" ............... " ( لا حياة لمن تنادي ! )
و طال الصمت، و طال الخجل، و طال السجود، و كنت أرى رجلي ّ يرتجفان و واثقة من أنه يراهما كذلك !
أما أصابعي، فقد كانت تعبث بوشاحي باضطراب مهول !
اعتقد، أننا كنا في فصل الشتاء، و كان الطقس شديد البرودة، و درجة الحرارة هي 10 مئوية كما سمعت في الاخبار، ألا أنني الآن، على وشك الأنصهار !
حر .. نار .. حريق ...أنا أذوب !
الرجل الذي يجلس إلى جواري، حاول التحدث.. حاول التعريف عن نفسه، و تغلّب على خجله و تلكم كلاما مبعثرا، من كل بحر قطرة !
هذه الأمور ذكرها جميعا خلال فترة قصيرة
اهتماماته، عائلة، أمجاد عائلته، أمراض عائلته ! ، دراسته، مدرسته، كفاآته، عمله، سفره، طبعه، أصدقاؤه، علاقاته بالناس، خططه المستقبلية، كيف كان يخطط للزواج، كيف تم ترشيحي له، و تفصيل ما حدث منذ عرض الطلب حتى لحظة رؤيتي ! و ما هو انطباعه الأول عني !
" أنت ِ قمر ! "
( لا حووول ! بدأنا حركات العيال ؟ أقصد الرجال ؟ أنت لحقت تشوفني أصلا !! )
لكنها كلمة جعلتني أضحك و أرميه بنظرة مختلسة !
( من أولها ! يا فتاح يا عليم ! )
لم أتكلم، لم أجرؤ على ذلك، ألا أنني شيئا فشيئا رفعت بصري من السجود، إلى الركوع ، إلى القيام ، إلى التكبير !
هذا هو زوجي ؟؟
أريد أن أتأمل قليلا !
( من حقّي ! صح ؟ )
لم يكن يثير اهتمامي ما يقول، بمقدار كيفية القول... لقد كنت أراقب حركاته، طريقته في الكلام، في النظر إلي، في شرب العصير و أكل الكعك !
هذا الرجل، ليس وسيما بالقدر الذي تمنيت، و ليس جذابا ما يكفي لإثارة اهتمامي، و حديثه الأول لم يكن كما توقعت، و حركاته لم تعجبني..
و بعض كلامه ضايقني..
و بعد ساعتين من اللقاء الأول، شعرت بنفور منه، و تمنيت أن يخرج فورا !
النصف ساعة الأخير كان مملا جدا، و أحسست بالنعاس و كدت أتثاءب !
متى سيخرج هذا الضيف؟ بدأت أستثقل وجوده !
و حين وقف أخيرا، هاما بالإنصراف، فرحت !
( أخيرا ! توكّل على الله يا شيخ ! )
" كيف وجدتني ؟ ما هو انطباعك ِ الأول عني ؟؟ "
" سأخبرك َ لاحقا "
" أخبريني الآن ، حتى أذهب قرير العين ! "
( يا أخي قلت لك بعدين ! روح و خلّصني ! )
" فيما بعد... "
" حسنا..أتمنى أن أكون قد نلت ُ إعجابك ِ كما نلت ِ إعجابي ؟ سأشكر والدتي كثيرا على حسن الإختيار "
( لا و الله ؟ مصدّق نفسك يعني ؟ )
عند الباب، مد يده ثانية، و صافحني بحرارة !
( و بعدين معاااك ؟ )
" الحمد لله ، أنا الآن مطمئن، سوف أتصل بك غدا ! أريد أن نتقرّب من بعضنا البعض بسرعة "
( تو الناس يا حجّي، لو سمحت لا تتصل ! )
و ودّعني وداعا حميما !
أغلقت الباب الخارجي، و عدت إلى الداخل، و إلى المطبخ، حيث تجلس أمي
( على نار ) تنتظرني !
" بشّريني بنيّتي ! كيف وجدت ِ عريسك ؟ "
كنت أشعر بضيق في صدري، فأنا لم أرتح لهذا المخلوق.. بل شعرت بنفور منه
" أمي ! إنه لا يناسبني "
بدأت الإبتسامة المرسومة على وجه أمي منذ أيام، تتحول إلى قلق...
" ماذا ؟ "
" أنا أعجبته يا أمي، لكنه لم يعجبني ! "
" إنها البداية ! لا تحكمي من أوّل لقاء ! القادم أكثر من الذاهب ! "
القادم ؟
لقاء ثان ٍ ؟
مع هذا الشخص ؟؟
لا !
أنا لا أريد أن ألتقي به مجددا...
إنه لا يناسبني، فليس كمثل أي من فرسان الأحلام الذين تخيلتهم في حياتي !
مجد... هل حقا أنت زوجي ؟؟
هل حقا سألتقي بك مرة أخرى ؟ ما كدت أصدّق أن ينته اللقاء الأوّل..
مجد.. أنا لم أرتح لك !
أنا آسفة و لكن نفسي لم تألفك ! ربما أنت ألفتني و انجذبت إلي، و لكن هذا ليس شعوري أنا !
أي مصيبة أوقعتني فيها يا أبي ؟؟
مجد .. لا تعد ! ...
أرجوك لا تتصل ! ... لا تفكّر بي ... لا تقترب منّي...
باختصار ...
لو سمحت...
طلّقني !
يتبع