العودة   منتديات ضمى نجد > اقسام المنتديات الإسلامية > نفحات إيمانية عامة

الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان

الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان نفحات إيمانية عامة ; الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لقد أخذ موضوع حقوق الإنسان يكتسب أهمية وأولوية على المستوى العالمي والمحلي في وقتنا الحاضر، إذ يعد قضية كبرى جديرة بالبحث والدراسة من وجهة النظر الشرعية لفهم نظرة الإسلام للإنسان وحفظه لحقوقه، وتنظيم شؤون حياته، على نحو يكفل له الحياة الكريمة. ولا يخفى ما يعيشه العالم وبخاصة العالم الإسلامي من تسلط الغرب واستبداده وفرض هيمنته الفكرية والإعلامية مما أدى إلى تغييب المفهوم الإسلامي لهذه القضية، وما يزيد من حدة تأثير ذلك ما يمارس داخل البلاد الإسلامية من ممارسات شتى منافية للقيم والمبادئ الإسلامية، وهو الأمر الذي يمثل ...

نفحات إيمانية عامة طرح المواضيع العامة في مختلف القضايا الاسلاميه



المواضيع الساخنة : شروط المنتدى , نظام الترقيات خصائص المنتدى , صندوق الادوات

شرح تغيير اسمك بنفسكـ في منتديات ضمى نجد

لكل بنات ضمى نجد ضروري !

مجلة ضمى نجد العدد السادس و العشرون

إعادة فتح الشات الكتابي ضمى نجد





موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع أنماط العرض
قديم 19-11-2009, 06:45 PM   #1
...

هاشم هاشمي غير متواجد حالياً


افتراضي الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان

الخطاب الإسلامي والتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد أخذ موضوع حقوق الإنسان يكتسب أهمية وأولوية على المستوى العالمي والمحلي في وقتنا الحاضر، إذ يعد قضية كبرى جديرة بالبحث والدراسة من وجهة النظر الشرعية لفهم نظرة الإسلام للإنسان وحفظه لحقوقه، وتنظيم شؤون حياته، على نحو يكفل له الحياة الكريمة. ولا يخفى ما يعيشه العالم وبخاصة العالم الإسلامي من تسلط الغرب واستبداده وفرض هيمنته الفكرية والإعلامية مما أدى إلى تغييب المفهوم الإسلامي لهذه القضية، وما يزيد من حدة تأثير ذلك ما يمارس داخل البلاد الإسلامية من ممارسات شتى منافية للقيم والمبادئ الإسلامية، وهو الأمر الذي يمثل تحديا ضاريا يفرض تكاثف جهود الباحثين والمختصين للتعريفبحقيقة الإسلام ونظرته إلى حقوق الإنسان وتعميق الوعي بها وبخطورة الادعاءات التي تثار حولها .

المطلب الأول: حقوق الإنسان في الإسلام بين كمال النظرية وسوء التنزيل.
إن كرامة الإنسان وحقوقه وجدت دائما عمقها وأصالتها في الرسالات السماوية، التي أوحى بها رب العالمين إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ليبلغوها للناس كافة، رحمة بهم وهداية لهم وتوجيها إلى ما يكفل لهم حياة كريمة يسودها الحق والعدل والإخاء والسلام، وشرع حقوقا وواجبات شاملة عامة لجوانب الحياة الإنسانية، وأحاطها بسياج منيع لحفظها وأداء وظيفتها وتحقيق المصلحة التي جاءت من أجلها لصلاح الحياة واستقامتها.
لقد كان الإسلام المنهج المتكامل للحياة، والمدخل الصحيح لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي يتمتع الناس فيه بالحقوق وأداء الواجبات، والتزام العدالة في تطبيقها والسهر على حمايتها في إطار نوع من التوازن والمساواة الحقيقية، التي لا امتياز فيها بين فرد وفرد على أساس لغة أو عنصر أو دين أو لون، فالناس كلهم سواء في القيمة والكرامة الإنسانية، ذلك أن الإسلام هو دين الفطرة الخالدة الذي يحمي الإنسان ويقيم حياته ويحافظ على حقوقه ويرفع من شأنه ويكرم إنسانيته، وهذا ما أعطى لحقوق الإنسان في الإسلام صبغة عالمية لم تصل إليها أية محاولة خارج التصور الإسلامي كيفما كانت.
من هنا يظهر تفوق المبادئ الإسلامية وغنى القيم الشرعية الضابطة والموجهة لمسيرة الحياة، كما يبرز ثراء التجربة التاريخية التي تجسد أحسن تطبيق لحقوق الإنسان في واقع الحياة، وذلك بتعدد النماذج والأمثلة الصالحة للإقتداء بها في الواقع المعاصر الذي يعرف تحديات العولمة، مما يجعل المنظومة الإسلامية للحقوق والواجبات تشكل بوضوح المنقذ الوحيد للعالم من التردي والسقوط والتسلط، والبديل الحضاري القادر على الارتقاء بالإنسان، والحرص على تكريمه وتمتيعه بحقوقه، إذ لم يجعل الإسلام من هذه الحقوق مجرد شعارات وخطابات وإنما جعلها أحكاما شرعية ومبادئ دينية ملزمة بحكم مصدرها الإلهي، فلا تقبل النسخ ولا التعطيل ولا التغيير، حيث أحاطها بضمانات متعددة تمنع من الاعتداء عليها أو انتهاكها، وما أحكام الحدود إلا لزجر الناس عن انتهاك حقوق غيرهم أو التطاول عليها.
ورغم ما عرفته المنظومة الحقوقية في الإسلام من العمق والشمول، وما تزخر به من قيم ومبادئ وغنى في التجربة التاريخية خاصة في عهد النبوة والخلافة الراشدة، فإن الواقع الإسلامي المعاصر يعرف ترديا على مستوى ممارسة هذه الحقوق، وتنزيل هذه القيم على واقع الحياة، لتهتدي بها إلى بناء مجتمع العدل والرحمة والحق .

المطلب الثاني: أسباب التباين بين التنظير والتطبيق.
إن المتتبع لواقع العالم الإسلامي اليوم يتبين له ما يعيشه من انتهاك لحقوق الإنسان، وامتهان لكرامته، نتيجة الاستبداد والضعف والهوان، والتجاوزات المجحفة، والأعمال المخالفة للعدل والمساواة، والجهل والكسل وغلبة الأعداء، مع كل ما يضاف إليها من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأزمات فكرية وروحية، مما تسبب عنه حجب الإسلام وإخفاء حقيقته نتيجة ما اقترف من انتهاكات وفساد في التطبيق، الشيء الذي مهد للأعداء فرص النقد والهدم والاتهامات المغرضة لهذا الدين السمح الذي رأوا فيه سبب التخلف والجهل والظلم.
ويمكن إرجاع هذا الانكماش في مجال تطبيق حقوق الإنسان وتقلص الحريات في واقع المجتمع الإسلامي إلى الأسباب التالية:


الفرع الأول: البعد عن تحكيم الشرع الرباني العادل.
إن البعد عن مقتضيات العقيدة الإسلامية السمحة وتغييب التوجيهات والمبادئ التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله في الحقوق والواجبات، هو السبب الحقيقي في تراجع أمة الإسلام عن الشهود الحضاري في قيم المساواة والعدل والحرية.
ومن هنا ندرك أن ربط ممارسة الحقوق وأداء الواجبات بالعقيدة والعبادات والأخلاق، الذي تميز به المنهج الإسلامي كفيل ببناء مجتمع يسوده التكافل والتضامن وإقرار الحقوق، والبعد عن أسباب الانحطاط وعوامل التردي والذل والعبودية، ذلك أن القيم والخصائص الأساسية التي تحقق الوجود الإسلامي في الواقع المعاصر يلزم أن تستند إلى أحكام الدين الإسلامي وتستمد من القرآن والسنة، لأن في هذين المصدرين كل الحقوق والواجبات اللازمة لبناء الفرد واستقامة المجتمع ونهوض الأمة المسلمة في أي عصر.
ولن يخلص البشرية من أزمتها إلا المنهج الرباني الذي أنزله الله في كتابه الكريم وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، قال تعالى: ﴿ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ﴾[1].
أما المناهج الوافدة على المجتمع الإسلامي والتي فرضت بسبب الهيمنة الاستعمارية فهي عاجزة عن تحقيق التقدم الذي وعدت به، وتبين أن التعاليم الإسلامية التي يتحقق فيها العدل الاجتماعي المؤسس على الأخلاق الثابتة كالعدالة والرحمة التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان تعد النموذج المثالي للتطبيق.

الفرع الثاني: البعد عن منهج النبوة.
إن المنهج النبوي في معالجة حقوق الإنسان لم يكن منهجا عاطفيا يعتمد على الشعارات والخطابات، وإنما اعتبرها من الثوابت الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، وحرصا على حسن تطبيقها اعتمد صلى الله عليه وسلم على إصلاح الفرد المسلم وتقويم سلوكه وتربيته على احترام حقوقه، حتى تصبح جزءا من مكوناته النفسية والعقلية ويحافظ عليها، فاكتسب المنهج النبوي بذلك عمقا وامتدادا في الزمان والمكان، جامعا بين النظرية والتطبيق التي يرتقي بها الإنسان إلى المساواة الكاملة والعدل المطلق.
وما تعيشه المجتمعات الإسلامية المعاصرة من اهتمام بحقوق الإنسان على مستوى الشعارات والخطابات، دون الاهتمام بتنزيل هذه القيم على مستوى الواقع وربطها بالعقيدة والأخلاق، قد جعلها تحيد عن المنهج النبوي الذي تميز بجمعه بين النظرية والتطبيق، مما جعل الإنسان يعيش في ظلها أنواعا من الظلم والخوف وعدم الأمان منتهكَ الكرامة مقيد الفكر والعقل، غير قادر على العمل والإبداع والفاعلية، وغاب عن فهمها بأن علاقة حقوق الإنسان بأمن المجتمع واستقامته علاقة ترابط وتماسك، فإذا احترمت حقوق الإنسان وطبقت في الواقع تحقق الأمن والسلام وإذا أهدرت ضاع الأمن وشاع الظلم في المجتمع.

الفرع الثالث: كيد الأعداء.
إن غياب المنهج الإسلامي في مجال حقوق الإنسان وواجباته في الوقت المعاصر فتح المجال للآخر – الفكر الغربي- للامتداد بفكره والطغيان بثقافته وحضارته وفلسفته للكون والإنسان والحياة.
فاستغل المجتمع الغربي شعار ثقافة حقوق الإنسان كأداة ضاغطة يستخدمها للابتزاز السياسي والضغط على الشعوب والأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي الخارجة عن النظام العالمي الجديد، وكوسيلة لإيذاء المسلمين وخلق الفتن فيما بينهم، لممارسة الهيمنة وفرض السيطرة وبسط النفوذ الثقافي والاقتصادي على الدول الإسلامية، هذا الحقد الذي يحمله الغرب في قلوبهم للإسلام قد أخبرنا عنه قوله تعالى : ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾[2]. وقوله عز وجل : ﴿ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾[3]. وقوله: ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾[4].
الأمر الذي جعل الغرب يستغل الأهداف السامية لحقوق الإنسان ويحرف المقاصد التي ترمي إليها من أجل تحقيق مصالحه الذاتية، وما العولمة إلا وسيلة من وسائل تحقيق هذه الغاية، ذلك أن عولمة حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي أمر فيه تهديد للتنوع الثقافي والفني والحضاري الإنساني، لأن المقصد الأساسي للعولمة الغربية هو عولمة الإنسان على شاكلة المجتمع الغربي وعلى نهج حضارته، ونشر الثقافة الأحادية وإقصاء حق الثقافات الأخرى في الوجود، والنظر إليها نظرة دونية والحكم عليها بالخضوع، مما أقصى الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأبناء الدولة الضعيفة ، وفسح المجال لقبول الحضارة الغربية والانصهار في مفهومها المادي للحياة والمجتمع والأسرة، ووضع مجتمعات العالم الإسلامي في أخطر ألوان التبعية المطلقة للغرب، مما جعلها تعيش على الهامش لا تتوفر لها مقومات الالتحاق بركب الحضارة العصرية.
إن الغاية من الدعوة إلى عالمية حقوق الإنسان بالمفهوم الغربي الخاضع للهيمنة التي تحدو إليها القوى العظمى، هو طمس الهوية الإسلامية والمبادئ والقيم الشرعية في مجال حقوق الإنسان وفرض إرادتها بشتى القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية والفكرية واستعبادها للبشر، مما يظهر تناقضا بين الدعوة والتطبيق، حيث كانت السمة الغالبة في تعامل الدول الغربية والمؤسسات التابعة لها وتعاطيها مع موضوع حقوق الإنسان هي ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين، بحسب المصالح بل بحسب التعصب العرقي والديني، ذلك أن " تلك المؤسسات تكيل بمعيارين لأغراض سياسية وليست إنسانية، فهي تتغاضى مثلا عن دول تخرق حقوق الإنسان بصورة فاضحة وبطريقة ممنهجة...كما تغمض تلك المؤسسات عيونها عن كثير من حقوق الإنسان المهدورة في داخل دولها حيث يمارس التمييز العنصري فعليا ضد الملونين...وعلاوة على ذلك فإن كثيرا من تلك الدول العظمى تقف وراء بعض الأنظمة التسلطية في الدول النامية وتدعمها"[5]، ويؤكد على أن هناك" تعارضا كبيرا بين الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وبين التفسير والتطبيق الغربيين لهذه الشرعية ولتلك الحقوق، وهذا من التناقضات الصارخة التي تطبع الحياة السياسية الدولية في هذا العصر، وهو الأمر الذي يمثل تحديا ضاريا يفرض على الشعوب والأمم الدخول في مواجهة غير متكافئة مع القوى الكبرى الساعية إلى الهيمنة والسيطرة على مقدرات العالم"[6].

المطلب الثالث: آثار غياب تطبيق حقوق الإنسان عن الواقع الإسلامي
تعددت الأسباب والعوامل التي جعلت حقوق الإنسان تغيب عن المجتمعات الإسلامية ثقافة وسلوكا وتطبيقا، رغم غنى القيم الحضارية الإسلامية وتميزها وقدرتها على العطاء، وكثرة النماذج التاريخية التي تبين بجلاء أن هذه القيم قابلة للتطبيق والتنزيل ودافعا للنهوض، هذا الغياب جعل القيم الثقافية الإسلامية في مجال حقوق الإنسان تتراجع، وفسح المجال للقيم الغربية لتحل محلها في جميع مناحي الحياة، الشيء الذي ترتب عنه النتائج التالية :

الفرع الأول: تردي الواقع الإسلامي في مجال حقوق الإنسان
تفاقمت الأوضاع التي تعيشها المجتمعات الإسلامية من تواكل وتخاذل وفقر وانتهاك لحقوق الإنسان بفعل المغلوبية الحضارية للدول الإسلامية، ووضع العراقيل أمام الواجب الذي تمليه العقيدة الإسلامية على الدول في قيام مجتمع مثالي تحترم فيه حقوق الإنسان وواجباته، وإخضاعها لاعتبارات ذاتية دون النظر إلى الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بإقرار الحقوق والواجبات، وتجاوزات المسلمين المجحفة وأعمالهم المخالفة، كل هذا أدى إلى هجوم بعض الكتابات الغربية على الإسلام واتهامه بأنه هو التحدي الحقيقي لحقوق الإنسان بمفهومها العالمي، بزعم عدم احترام العديد من الحقوق المقررة للأفراد، الأمر الذي جعل الحاقدين على الإسلام يعلقون على مشجبه كل مظاهر التسلط والانتهاك والهضم لكافة الحقوق.
وقد دأبت بعض مراكز البحث في الجامعات الغربية وخارجها وبعض المؤسسات السياسية والإعلامية على دعم البحوث التي تعمل على تفجير القضايا الفكرية الحساسة، بهدف نشر الفتنة في المجتمعات الإسلامية، والتشكيك في قيمه ومبادئه من أجل النيل من سمعة الإسلام وتعاليمه وتشويه صورته في الغرب.
هذه الكتابات والإدعاءات الغربية لم تدرك اختلاف المفاهيم الإسلامية عن غيرها، ومرجعيتها المرتبطة بالشرع، وخصوصية الرؤية الإسلامية للإنسان وحقوقه، التي بالغت في رعاية حقوق الإنسان واعتبارها من ضروريات الحياة، كما أدخلها الإسلام في إطار الواجبات الشرعية التي لا ينبغي التنازل عنها أو التفريط فيها.

الفرع الثاني: انتشار التعصب وغيا ب ثقافة الحوار والتسامح.
إن غياب تطبيق حقوق الإنسان في بعض الدول الإسلامية، وغياب التربية على مفاهيمها وأبعادها في استقرار المجتمع والتواصل مع الآخر، أدى إلى غياب ثقافة التسامح والحوار التي تعتبر من أهم مقاصد حقوق الإنسان في الإسلام، وحلت محلها ثقافة الانغلاق على الذات والرفض للآخر، التي تعتبر مدخلا لعدم قبول حضارته والاعتراف بحقوقه، وتسويغ انتهاكها تحت أي مبرر كيفما كان، وقد يكون التعصب في الاتجاه الآخر، أي التعصب للفهم الغربي للحقوق وتأويله الخاص لها على أنه النموذج الحضاري الوحيد الممكن التحقق، بل واجب الامتثال، وضرورة تعميمه على جميع الثقافات، ولا يخفى ما في هذا التعصب والتحيز من غمط حقوق الآخرين وفضائلهم، وهدر حقوق الثقافة الإسلامية في تقديم وجهة نظرها، وبيان نموذجها الحضاري الذي أثبت نجاعته ونجاحه عبر التاريخ. مما أدى إلى غياب الفهم الحقيقي للقيم الإسلامية عند كثير من الإسلاميين المعاصرين الذين راحوا يبحثون عن حقوق الإنسان في الإسلام عبر مفتاح غير إسلامي، فظلوا في فلك الكلام والتلفيق، ولم يفلحوا في التأصيل ولا في الإقناع بمكانة حقوق الإنسان في الإسلام.
والحق أن الإسلام مبني على الانفتاح والمعاملة الحسنة، دون فرض أخلاقه، والانغلاق والتحيز قد يؤدي إلى الزيغ بالهوى عن القصد، والحيدة عن المنهج الشرعي وعن أهداف الأمة الإسلامية، ويسهم بشكل واضح في تكريس تخلف المجتمعات الإسلامية عن ركب الحضارة والتقدم.

الفرع الثالث: إغفال الإعلام ومناهج التعليم للمنظور الإسلامي لحقوق الإنسان
أغلب المنابر الإعلامية والمناهج التعليمية في الدول الإسلامية تتحدث عن حقوق الإنسان وتروج لها من المنظور الغربي فقط، وتغفل المنظور الإسلامي عن قصد أو بسبب الجهل بمضمون الحقوق في الإسلام، الأمر الذي جعل المفاهيم الغربية لحقوق الإنسان تترسخ في المجتمعات الإسلامية، بسبب"غياب المفاهيم الإسلامية المنضمة للحقوق الشرعية للأفراد والجماعات، مما أدى إلى بناء تصور للحقوق الإنسانية مستمدة من التجربة الغربية لمعالجة الواقع ومحاولة الارتقاء بحقوق الأفراد والجماعات، فصارت المفاهيم والمبادئ الغربية المرجع الأساسي لبناء قواعد اجتماعية لتنظيم الحقوق الفردية والجماعية في العالم أجمع، ونجم عن ذلك سلب الحضارة الإسلامية مقومات وجودها كواقع ممارس في العديد من المجتمعات الإسلامية، وصارت "تراثا"عاجزا عن تنظيم الواقع، ومرجعا " أخلاقيا" محدود الأثر في الواقع التشريعي المعاصر المنظم لحقوق الإنسان"[7]، مع أن حقوق الإنسان عرفها الإسلام وقدمها للبشرية منذ أربعة عشر قرنا إلا أنه كان لانتشار الفكر الغربي وتنظيره في هذا الموضوع أثره في فرض ثقافة الغرب، وإغراء الشباب المسلم وإبعاده عن هويته الإسلامية، الشيء الذي خلق أجيالا بعيدة عن مصدر عزتها، مغيبة عن هويتها، متنكرة لثقافتها وحضارتها، وظهور نوع من الصراع الثقافي والتصادم الحضاري .

الفرع الرابع: انبهار أبناء المسلمين بالثقافة الغربية.
إن الفراغ الذي تعيشه الأمة الإسلامية على مستوى الممارسة الفعلية لتطبيق حقوق الإنسان فتح الباب لأبناء المسلمين للانبهار بما وصلت إليه الثقافة الغربية في تنظيرها لمبادئ حقوق الإنسان وتطبيقها في مجتمعاتهم.
وضع الإسلام في قفص الاتهام بعد الهزائم الحضارية التي توالت على الأمة الإسلامية، واعتبر العامل الأول في تخلف المسلمين، فتعالت دعوات فئات من أبناء المسلمين-المنبهرة بالحضارة الغربية وما وصلت إليه من تقدم في مجال تطبيق حقوق الإنسان- منادية بإبعاد الإسلام عن جميع مناحي الحياة، لأنه يمثل من منظورها عائقا أمام التطور المنشود، وقد وجدت هذه الدعاوى من يدعمها على المستوى الفكري والإيديولوجي من الغرب، فأثير الكثير من النقاش والجدال لإثارة هذه الشبهات للتدليل على أن الإسلام هو المسؤول عما أصاب المسلمين من تأخر.

المطلب الرابع : التحديات التي تواجه الخطاب الإسلامي المعاصر في مجال تفعيل حقوق الإنسان.

إن التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي في الواقع المعاصر، نتيجة غياب ممارسة ثقافة حقوق الإنسان وفق المفهوم الشرعي، فضلا عن العدوان المرصود للإسلام، جعلت الخطاب الإسلامي أمام إشكاليات متعددة منه :
أولا : إن التحدي الخطير الذي يواجهه الخطاب الإسلامي اليوم لا يتمثل في عدم وجود قيم قادرة على ضبط مسيرة الحياة، ومعايير ناجعة لتقويمها في مجال حقوق الإنسان وواجباته، ولا في عدم وجود النماذج التاريخية والأمثلة الصالحة للتطبيق، ولا في شمولية هذه التعاليم وتغطيتها لجميع الحقوق التي تحتاجها الحياة الإنسانية، وإنما الإشكالية في سوء تنزيل هذه القيم والمبادئ، وتجسيدها في الواقع،وتعميقها لدى أبناء الأمة الإسلامية قولا وعملا واعتقادا، وإعمالها في شتى ميادين الحياة، بدل التفاخر بها والحديث عن عظمتها، مما يؤدي إلى نوع من الشك والارتياب فيها، فبدلا من أن تكون عاملا ومحفزا للترقي، تصبح عائقا لتحقيق ذلك .
فيبقى السؤال هو كيف يتمكن الخطاب الإسلامي بقيمه في مجال حقوق الإنسان، من التوفيق بين واقع الحياة الشديد التغير والتطور وبين الواقع المتردي للمسلمين.
ثانيا : إن الخطاب الإسلامي المعاصر مدعو إلى تجاوز الموقع الدفاعي عن حقوق الإنسان في الإسلام، بإظهار تفوقه وتكريمه للإنسان وحماية حقوقه، إلى التفكير في إيجاد الوسائل والآليات العملية التي تجعل من هذه القيم مبادئ ميسرة التطبيق في حياتنا، وأحكاما سهلة التنزيل على واقعنا، اقتداء بمنهج النبوة والخلافة الراشدة التي تعتبر تجسيدا فعليا للقيم الإسلامية في الواقع، إذ ما قيمة الحديث عن الأسبقية والأفضلية ما لم تصاحبه استراتيجيه عملية كفيلة بتطبيق حقوق الإنسان في الواقع، وجعلها ثقافة وتربية وسلوكا للفرد والجماعة والدولة، حتى تكون حافزا على الإبداع والعطاء والفاعلية.
ومن ثم كان لزاما على الخطاب الإسلامي والعاملين فيه من مفكرين وفقهاء أن يضعوا منهجا شاملا لمفهوم حقوق الإنسان في الإسلام، الذي أصبح ضرورة ملحة بعد أن مر المسلمون خلال السنوات الأخيرة بتحديات خطيرة، مما يتطلب مواجهتها ووضع تصور أصيل للمفهوم مستمد من الإسلام، ليكون بديلا للمفاهيم الغربية الوافدة التي أثبتت عجزها عن تحقيق الاستقرار والأمن النفسي، وحاولت عزل الأمة الإسلامية عن عطائها الحضاري في هذا المجال.
ثالثا : إن المسلمين اليوم ملزمين بأن يستقوا منهج حياتهم ومجتمعهم من منطلق القرآن الكريم والسنة النبوية، اللذان هما جماع القيم الإنسانية العليا، لأنه بهما سيتمكن المجتمع الإسلامي من التكافل والتضامن، والخروج من التبعية والعودة إلى منابع الإسلام، فالركائز التي بنيت لهم منذ أربعة عشر قرنا و كانت نتاجا لجميع رسالات الأنبياء جمعت في بوثقتها جميع الحقوق والواجبات المقررة للفرد والجماعة والتي يجب أن تكون مرتكزا أساسيا للمشروع الحضاري الإسلامي ضدا على القيم والثقافات الوافدة، التي تحاول تفريغ الإسلام من مضمونه الحقيقي وإظهاره للشباب المسلم بمظهر العاجز عن العطاء والتحديث ومسايرة متطلبات الحياة وتطورها.
رابعا : إن من واجب كل مسلم أن يتمثل القيم والمبادئ الإسلامية في سلوكه وينزلها في واقعه، حتى يكون قدوة لغيره، ويحقق بذلك الشهود الحضاري للأمة، يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)[8] : "إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر، وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رائعا رفيعا يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات، وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه فيقوم مجتمع من حوله، تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم..."[9] .
خامسا : إن المطلوب اليوم من المسلمين ليس هو إحياء التراث، "وإنما إحلال الشريعة الإسلامية الخالدة في القرآن والسنة في مكانها الصحيح والأصيل قبل أن تحجبها القوانين الغربية.
وإن في إمكان المتخصصين من المسلمين أن يقدموا منهجا مرنا يحقق ثوابت الإسلام ومتغيرات العصر...لنكون قادرين على تقبل معطيات العصر حتى لا نجمد ولا نتوقف أو نتخلف.
هذه المرونة تكون قادرة على الحفاظ على ثوابت الشريعة الإسلامية وحماية وجودها وإقامة مشروع الإنسان المسلم على المسؤولية الفردية والالتزام الأخلاقي، فنأخذ من الحضارة العالمية ما يزيدنا قوة على بناء مجتمعنا من الناحية المادية، ونظل في نفس الوقت قادرين على إقامة منهج الشريعة الإسلامية كأساس ومنطلق وجودنا"[10].
والحاصل أن الأحداث الأخيرة التي يعيشها المجتمع الإسلامي تؤكد فشل الأطروحات والنظريات الغربية في مجال حقوق الإنسان، وأن الإسلام دين ومنهج حياة، يجمع علاقة الإنسان بربه وعلاقته بمجتمعه وعلاقة المسلمين بغيرهم، ويقبل كل المفاهيم والتطورات المستجدة في إطار الحدود والضوابط، وذلك يفرض:
- استحداث إستراتيجية إسلامية موحدة ومنهج عملي لتحديث الخطاب الإسلامي المرتبط بمنظومة الحقوق والواجبات، المرتكزة نظريا على الكرامة الإنسانية وعمليا على الوسطية عقيدة ومنهجا وسلوكا:
- ربط الخطاب الإسلامي بحاضر الأمة الإسلامية زمانا ومكانا وإنسانا، مع التأكيد على عناصر المرونة والانفتاح والتوازن، والتقيد بالثوابت الشرعية المرتبطة بالمنظومة الحقوقية، وتجديد الفهم والرؤية لكيفية إعمال هذا الخطاب في الواقع.
- إيلاء الأهمية للتصور الإسلامي في موضوع حقوق الإنسان، ومعالجته معالجة تمكن الناس من الإطلاع على عظمة الإسلام وأسبقيته في إقرار الحقوق والواجبات وصيانتها، وتبين خصائصها ومميزاتها، وأنها مظهر من مظاهر التكريم الإلهي للإنسان.
- توضيح ارتباطها الوثيق بمقاصد الشريعة قصد إخراج المسلمين من أزمتهم، وتمكن الإسلام العودة من جديد، وتزيل الغربة الثانية التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء"[11]. وفي رواية أخرى:" إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي"[12].




- سورة الحديد الآية 24.[1]

- سورة البقرة الآية 119.[2]

- سورة البقرة الآية 108.[3]

-سورة البقرة الآية 215.[4]

- حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والإعلان العالمي، علي قاسمي : ص 42-43.[5]

- في البناء الحضاري للعالم الإسلامي، عبد العزيز بن عثمان التويجري : 4/190.[6]
[7] - النظرية السياسية في حقوق الإنسان الشرعية دراسة مقارنة، محمد أحمد مفتي وسامي صالح الوكيل.كتاب الأمة. العدد 25. شوال 1410هـ: ص23.

-سورة آل عمران الآية 52. [8]
[9]- في ظلال القرآن، سيد قطب: 1/402.

- عطاء الإسلام الحضاري، أنور الجندي. دعوة الحق - العدد 163- رجب 1416 السنة الرابعة عشر: ص87.[10]

- أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا،رقم الحديث145. 1/453.[11]
- أخرجه الترمذي : كتاب الإيمان ، باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، رقم الحديث2630. 4/444. [12]






 
قديم 19-11-2009, 06:48 PM   #2
...

صقر الجليل غير متواجد حالياً


افتراضي








 
قديم 19-11-2009, 06:51 PM   #3
...

فــجےـــر غير متواجد حالياً


افتراضي

بارك الله فيك






 
قديم 19-11-2009, 07:01 PM   #4
"حالـــــمه بغد أفضل"

"ظما قلبي" غير متواجد حالياً


افتراضي

الله يجزاك خير
طرح مميز وجعله الله بموازين حسناتك






 
قديم 19-11-2009, 07:42 PM   #5
فيني عزه أحرقت جمر الأشواق

«§»مذهلة@الـذوق«§» غير متواجد حالياً

‗ღالماسية صباياღ‗
العضوية الماسية صبايا

افتراضي

جزاكـ الله خير
وجعلها الله في ميزان حسناتكـ
والله لا يحرمكـ الثواب
تسلم الأيادي
دمت بخير






 
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
أيام, المعاصرة, الخطاب, الإسلامي, الإنسان, حقوق, والتحديات

أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع اضافة مرفقات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل
Trackbacks are لا تعمل
Pingbacks are لا تعمل
Refbacks are لا تعمل



جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جرينتش +3. الوقت الآن 05:17 PM.


   ضمى نجد   

صحيفة ضمى نجد | شات ضمى نجد | منتديات ضمى نجد | دليل ضمى نجد | طلب اعلان في ضمى نجد
المصحف الشريف | مصحف التجويد | زخرفة الأسماء | موسوعة الماسنجر | خريطة شبكة ضمى نجد
تلفزيون ضمى نجد | الاسماء ومعانيها | جالري ضمى نجد | يوتيوب ضمى نجد | العاب ضمى نجد
تحميل الصور والملفات الجوال البلاك بيري الجالكسي
تصفح اسرع للمنتدى



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأي ضمى نجد ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)