ريتويت ضمى نجد [ زيادة الفلورز ]

العاب ضمى نجد [ العاب فلاشيه منوعه ]

ضمى نجد والقسم الجديد آتي قريباً كونوا معنا [ اعلان اداري ]





♣ حضران في بادية الحجاز ♣

♣ حضران في بادية الحجاز ♣ التراث و حضارات الشعوب وثقافاتها ; ♣ حضران في بادية الحجاز ♣ الكاتب محمود عبدالغني صباغ وكانت بادية الحجاز أرض الفروسية والغزل. بين روابيها وقفارها قامت أبرز معارك فرسان العرب. فهذه ضاحية (المضيق) شمال غرب الطائف، تشهد أسر الفارس زيد بن المهلهل لجماعة علقمة بن علاثة العامري، قبل أن يمن عليهم بالفداء في حضرة شاعرهم (الحطيئة) الذي أطلق العنان لقولته الشهيرة: " فما نلتنا غدراً ولكن صبحتنا غداة التقينا في (المضيق) بأخيل ".. إنها ذات الضاحية التي تردد على حفافي واديها، المكي الحضري عمر بن أبي ربيعة، ليغازل محبوبته البدوية من سكانها الحرث، التي كانت بدورها تماطله، وتخلف مواعيده الغرامية مرة تلو الأخرى، حتى إذ ضاق ...

التراث و حضارات الشعوب وثقافاتها كل مايتعلق بالتراث و بحضارات الشعوب وثقافاتهم والشخصيات التاريخية



المواضيع الساخنة : شروط المنتدى , نظام الترقيات خصائص المنتدى , صندوق الادوات

شرح تغيير اسمك بنفسكـ في منتديات ضمى نجد

مميزات العضوية الماسية !

لكل بنات ضمى نجد ضروري !

العـدد 21 مــن ❤ مجلة ضمى نجد ❤

مميزي شهر(مارس)

إعفاء + تعين مشرفين وإدارين ...


رد
 
أدوات الموضوع أنماط العرض
قديم 06-02-2010, 10:29 PM   #1

A S E M غير متواجد حالياً

إعلانات نصية :

افتراضي ♣ حضران في بادية الحجاز ♣

♣ حضران في بادية الحجاز ♣




الكاتب محمود عبدالغني صباغ




وكانت بادية الحجاز أرض الفروسية والغزل. بين روابيها وقفارها قامت أبرز معارك فرسان العرب. فهذه ضاحية (المضيق) شمال غرب الطائف، تشهد أسر الفارس زيد بن المهلهل لجماعة علقمة بن علاثة العامري، قبل أن يمن عليهم بالفداء في حضرة شاعرهم (الحطيئة) الذي أطلق العنان لقولته الشهيرة:

" فما نلتنا غدراً ولكن صبحتنا


غداة التقينا في (المضيق) بأخيل "..


إنها ذات الضاحية التي تردد على حفافي واديها، المكي الحضري عمر بن أبي ربيعة، ليغازل محبوبته البدوية من سكانها الحرث، التي كانت بدورها تماطله، وتخلف مواعيده الغرامية مرة تلو الأخرى، حتى إذ ضاق ذرعاً أنشد أبياته المحفورة في ذاكرة السنين:

"بالله ياظبي بني الحارث ** هل من وفي بالعهد كالناكث؟"

وتفرض علينا بداهة العصر الحديث روايات أبناء بادية انخرطوا في نسيج الحواضر. لعل الأقرب حضوراً إلى ذاكرتنا الجمعية؛ سيرة الشاعر حسين سرحان: ذلك العملاق الملحف بهجير الصحراء ودهاء رمالها،من نظم مجموعة من أرق وأجود قصائد الشعر الحديث في مكة. وكان يفضله حمزة شحاتة، من طبقته على أقرانه، ويقول عنه من مهجره بالقاهرة، إن السرحان "جمع محاسن البادية وأطايب الحاضرة"! أما الشحيح النادر، مما لم نألفه، فهو روايات "الحضران" ممن نشأوا في البادية، أو مكثوا في أراضيها.


وكانت البادية أرض الرضاعة. كان أشراف مكة يبعثون بأبنائهم إلى سراة عدوان ليتخلقوا بأخلاق البادية من فروسية وفصاحة وبيان، حتى اذا بلغواالخامسة أو السادسة أمروا بإشخاصهم إلى مدارس الحاضرة. ذلك كان شأن "البلديين" من أبناء الأسر الميسورة؛ وأمين مدني أخرجه والده إلى ضواحي المدينة للرضاع عام 1910،فتعلم فيها الفصحى، وأحمد إبراهيم غزاوي اختلط بأهل البادية الذين كانوا يحيطون بمكة فصقل موهبته وأثرى مخزونه اللغوي فكان حصيلة ذلك تحفته اللغوية: (شذرات الذهب).


وتبرز نشأة الأديب المكي عبدالحميد مرداد، التي قضاها خالصة في مضارب البادية، ودون فصولها في مذكراته (رحلة العمر)، كوثيقة تاريخية ترفدنا باللون الوجداني المختلف. إن قيمتها ليس في كونها مجرد رواية لنمط الهجرة المعاكس، بل في حضورها كبيانٍ كوني يستعلن "نسبية" الهوية ويعزز من "تاريخيتها".فيما كانت نيران الحرب العالمية الأولى تبلغ أوارها، ولد الصبي عبدالحميد، في دور آل مرداد المحاذية لباب الدريبة بمكة، بمباركة جده عبدالمعطي مرداد، شيخ الأئمة والخطباء الأحناف في العهد العثماني. ولما عز إرضاع المولود، أشار إلى والده، العم عبدالرحمن شعيب، صهرالشيخ محمد زيني دحلان، صديق والده، بإرساله إلى إحدى قرى الطائف، إلى حيث بعث، هو ورهطٌ من أهل المعابدة، بولدانهم، للرضاع.


حين أرسل المولود (عبدالحميد)،على ظهور الحمير والشقادف، ناحية (الزيمة)؛ الواحة التي تتوسط مكة والطائف، استقبله أميرها فيصل من الأشراف القناوية الذين استوطنوها من عقود سحيقة قادمين من مصر. في منزله، أرضعته، الوالدة (هيف) - أم عيال فيصل القناوي، وكان يتناوب على ثديها ثلاثة: عبدالحميد، وبنتها فاطمة –أو (عجوة) كما يسمونها في البادية- وأخٌ آخر بالرضاع، هو محسن حازم بن مليح، ابن عائلة من أعيان محلة جرول، كانت مسؤولة عن المحمل المصري آنذاك، يتحدث العربية التي تغلب عليها اللهجة القرشية.


وعلى القحط المتفشي جراء قيام الحرب العالمية، استقبل القناوية الساعي على الرحب والسعة. حين قدم لهم (الشعيب) شيئا من المال على قدر الحال، رفضوا أن يتقاضوا درهماً واحداً، قائلين في شئ من كبرياء العربان الأقحاح: "(حنا) وهو على الله، ليس عندنا إلا علاج البادية نسأل الله أن يعيننا ويشفيه".


لقد تبنت هيف القناوية، الفتي القادم من مكة، بحنانٍ فارط حتى ارتبطت به روحياً. وحين جف ضرعها، أخذت عيالها، ولفت بهم قرى الطائف وبلاد ثقيف، بحثاً عن الرزق واللبن من رعاة الأغنام. هكذا لقد نشأ (عبدالحميد) ما بين قرى الطائف وبساتينها وعيونها؛ المضيق وسولة والخبزة وأم الخبز ومسرة والمثناة وقروة والسلامة وشبرا والعقيق وسفح جبل السكارى وجفيجف ووادي محرم ولية وثمالة والقرن والهدا والوهط والوهيط. بين تلك الهضاب والمسالك والشعاب كانت نشأة الفتى ذي الأصل الحضري، الذي لم يدرك حضريته إلا يافعاً متأخراً. كان حتى سن السادسة، لا يعرف سوى (الزيمة) وطناً له، ولا يعرف أماً غير (هيف)، لا هم له وقتها سوى اللعب في البادية وتسلق الجبال وصيد العصافير ورعي الأغنام ومصارعة الصبيان والغناء البدوي والتشبع بروح البداوة، لا ينقصه إلاالتعليم والثقافة حيث لم يكن يوجد في تلك الضاحية مرشد ولا معلم. إلى أن باغت قريته ثلاث رجال في ثياب بيضاء، يتحزم كل منهم بهميان بلدي، ويعتمرون العمائم الغبانة - جاءوا يطالبون به. لقد كانوا: والده بالنسب، ورفيقيه في الإتفاق؛ الشعيب والدحلان. ووسط بكاء ونحيب "والدته"، تسلق عبدالحميد أقرب [ظلع] جبل، مع صبيةٍ من جماعته بالنشأة، وأخذوا يحذفون رجال الحاضرة بالحصب والحجارة. كان عبدالحميد، يستمع لكلامٍ لم يألفه من قبل، فأحد المكيين الثلاثة كان يصرخ في لهجة بدت عجيبة: "شوف يا ولد"،إلا أن عبدالحميد والصبية لا يفهمون (شوف) التي تقابل كلمة (عاين) في البادية، ولايفهمون (ولد) التي تقابلها (ورع)! حين مج عبدالحميد اللهجة، سأل قائده الصغير، بفرط من البراءة: "هل هؤلاء من الأعاجم؟".. ليأتيه الرد: "لا ولكنهم حضران - يعني سكان المدن، لا نفهم كلامهم ولا يفهمون كلامنا الا بتكلفٍ ومهنتهم خطف الناس وقتلهم".


بعد زوال "الغارة"، اتفق الطرفان على التدرج في عملية نقل الصبي "المفزوع" إلى الحاضرة. لتبدأ طقوس "التمدين" بالتعاقب تترى. فإذا بخمائل تعلو ظهور الركائب الأصايل، هي أربعة ملابن، والخامسة من الركائب عليها صناديق وزكائب وخيمة بيضاء ولفة حمراء، في "مشهد عجيب ومنظرٍ غريب" على فتية من "البدو" أمثال عبدالحميد!


كانت تلك، في الحقيقة، طلائع "ارساليات" الحضران؛ "مجموعة من الرجال والنساء حضروا من مكة على الشقادف المستورة بالنسيج الأخضر ونصبوا الخيام،جاءوا مع الجمال فسلموا وحييوا فرددنا عليهم السلام.. وكانت هذه المحامل تحملالعمات والوالد والأخوات". ما إن خيم الموكب، حضرت الدفوف والطبول، وذبحت الذبائح،وأعلن "القرى في القرى"، ايذانا ببدأ طقس "الختان" – فإذا برجلين طويلين مهيبين من الملتحقين بالقافلة، يشقان طريقهما بين صفوف المحتشدين – كانا؛ أحمد باسلاسل، صديق الوالد بمكة وصاحب محل المعصوب بسوق الليل، والآخر هو (قملو) المزين الهندي الحلاق الختان، يحمل في يديه حقيبة من الجلد تحمل في جوفها آلات القطع والعذاب.
وتستمرالحكاية، حتى يسافر الصبي إلى مسقط الرأس مكة، في حدود السابعة من عمره، فتتواشج الفصول والأحداث، ويأخذ الفسيفساء المتبقي من تكوين شخصيته بالإلتئام، في واحدة من أروع قصص السيرة في تاريخ وحدتنا المعاصرة.
















يتبع
...






  رد باقتباس
قديم 06-02-2010, 10:30 PM   #2

A S E M غير متواجد حالياً

إعلانات نصية :

افتراضي


حضران في بادية الحجاز (2-3)



ويظفر عبدالحميد مرداد في (رحلة العمر) برسم صورة بانورامية حافلة بالوقائع المثيرة والتفاصيل المبهرة تشي بمتغيّرات وأسرار وخبايا جزء من تاريخنا الوجداني مطلع القرن العشرين.
في روايته بيانٌ تفصيلي عن ملامح الحياة الاجتماعية في البادية. عما كانت عليه "قِرى" البادية – بكسر القاف؛ أي أفراحهم - وأعيادهم ورقصهم وغرائزهم، التي تجري في طبيعة دائمة ودارِجة، ترقص فيها النسوة وتغني وتهزج بالأهازيج البدوية المرِحة الراقصة. كيف كانت (هيف) أيقونة الشخصية النسوية البدويّة، لا تجد مساحة لطي المسافات وحدها، دون ارتباط بتكاليف المحرم أوقيوده. كيف كانت إلى ذلك ذربة اللسان، فصيحة النطق، برزة المحاضر والمجالس. حينها جرت إلى مكة، لتقف عن قرب على أحوال ابنها بالرضاع، قامت في شيء من الاستقلالية بتدبير نُزلها الذاتي في حارة (جرول) إلى جانب جماعة لها من العُربان.
وفي سيرته التي أطلق عليها (الجبل الذي صار سهلاً)، يحكي ابن جدة، الشاعر العملاق أحمد قنديل (المولود عام 1911م)، جوانب من عهد الصِبا، أو جملة أيام لا تمحوها من الذاكرة صروف الأيام، قضاها في مرابع وادي (الأعمق) ؛ إحدى ضواحي الطائف.
بعيد انتهاء أحد مواسم الحج (مطلع عشرينيات القرن الماضي)، ينتظم الصبي اليافع أحمد، رِفقة والِده الوجيه الجدّاوي صالح قنديل، في ركبٍ خارج (مِنى)، بقصد صعود جبال كرا، حتى إذا أمسى الركب في وادي النار ومحسر "أصبحت الحمير ظلالاً وأشباحاً شعيرية تتراقص في اندفاع على نغمات الحدري الرقيق من ركابها، حتى لقد أصبح ركوبها من ّانوعاً فطرياً من أنواع الرقص العصري".
كانت رحلة "انسجام روحية خيالية.. تجاوزت نطاق الماديات" – كما يصفها القنديل. فـ(عطية الله) الحمَّار الكهل كان يرسل (المجرور) من قلبه مُتصوراً بعد غيبته بالحج جلسته العائلية بين زوجته وأولاده فيدفء منزله بالمربعة الصفراء. ولا يكاد الحَمَّار (سالم) الشاب، يصل إلى نقطة الشوق لمحبوبته حتى يندفع في التغني (بفرعي) عاطفي لذيذ يتموّج به صوته العميق الأصيل عمق وأصالة الرجولة حيث البراءة في عاطفته المكبوتة، وفي حبه الصادق.
في الوادي ينزل القنديل بضيافة (الجدابيّة) أصحاب البيت الكبير. حيث "تجمّع المستقبلون من الأهل والجيران، مُحيين في سماحة وود.. هذين الضيّفيّن الحضريّيّن. فلم نعد نسمع إلاّ: (هلا)، و(حياكم الله)، و(يا مرحبا)، و(اتفضلوا).. جُملاً فطرية الطبع، صادقة التعبير رغم تقليدية أسلوبها الرتيب المكرور تفيض بمعنى الجود بالموجود سماحة نفس، وفرحة بالفرصة الكريمة، لإرضاء طبيعة الكرم العربي الأصيل".
حيث ستربط القنديل حبال صداقة حميمة بالجدابي الصغير (أحمد)، يُلخصها موقف الأخير وفزعته بالوقوف إلىجانبه كونه "وِرع حضري" أحبه حيث زامله وألفه، "أوصاه والده من وراء ظهره عليه، كما أوصاه أخوه الأكبر بدوره على أن يلاحظه، عندما يتخطّى أو يتسلق الصخور!".. كان القنديل يصف سَميّهُ البدوي، بـ"الجوهرة وسط جبل مقفر"، ويفلسف الفروقات بينهما على أنها شكليّة وجوهرية في آن؛ "فهو يستشهد بالأقوال البدوية، وبالشعر الحميني، وبالأمثال والنوادر، عربية قحة في مصدرها، وقولها، وعنصرها، بينما أنا أستشهد بذلك كله أو بعضه وبما وعته الذاكرة نقلاً عن كراريس مدرسية كنت حديث العهد بحفظ ما فيها كالببغاء، فأصبحت المُقلِّد، حين كان هذا الغلام.. الأصل، دون تقليد"!
وفي إحدى عشوات (السليق) بالوادي، وما إن ابتدأ الهزج حتى يُصاب أديبنا القنديل بصدمة حضارية، جرّاء مشاهدته لرقصة "خليطي" - على حد تعبيره البلدي اللذيذ.
لقد "اصطفت جماعة من شباب الوادي صفاً طويلاً على جانب من جوانب المجلس بالقاعة الطويلة الفسيحة، كما اصطفت قبالهم جماعة من الفتيات الملثمات - واللثام أشد إغراء من السفور. وقد قام منفرداً على رأس طابور الشبان فتى بارز الوسامة ؛ حلو القسمات واللفتات، كما قامت منفردة على صف العذارى فتاة لاح مما لاح فوق لثامها ما يؤكد حُسنها، وجمالها الفائق وعودها اللدن الممشوق. وافتتحت الجماعة الرقصة بالأهازيج ، ثم تلاها الشاب المنفرد بارتجال بعض الأبيات من الشعر الحميني الرقيق.. تجيبه على كل قطعة منه بنفس البحر والروي الفتاة المنفردة في ذات الموضوع.. وتتلوها الجماعة بترديد المقاطع.. يكررها الصفان من الشباب والشابات، كلازمة مطردة، في توافق، وفي تناسق جماعي مضبوط أخآذ". حتى إذا انتهى دور (المحاورة) وجاء دور الرقص، "تداخل الصفان، دون التحام، في إقبال وإدبار، حيث تنسل كل فتاة من الفرجة المقدرة لها بميزان وبحساب بين كل شابين.. وهكذا الحال بالنسبة لكل شاب بين كل فتاتين في صف الفتيات".


هكذا تُبهت عفوية البادية ابن الحاضرة، المزدحمة مُخيّلته بتكاليف العادات الموروثة، والمغلفة بوعي حضري/ تقليدي صارم.
خلافاً للسائد في برحات وأزقة حارة اليمن حيث نشأ القنديل داخل سور جدة القديم، كان على حوافي الوادي بمقدوره الاحتكاك بـ(مُزنة) البنت القرويّة المُعتدة بذاتها - التي كانت بالإجماع "الريحانة العطرية" في الوادي. كان يراها في الصباح عندما ترد البئر لتملأ قِربتها منه. وفي الضحى حينما تهبط البستان تساعد في بعض الأعمال به. وفي المساء بينما يكونون جلوساً في رحبة البيت يتسامرون، أو في ليالي الاحتفال تقف على رأس الفتيات في صفهن برقصة "الخليطي"، ترتجل الشعر، وتقود الفرقة من بنات جنسها للرد على الفتى الأول بين الفتيان.
كان القنديل لا يُغالط شعوره فيجلس محاذاة البئر بالذات "لاستجلاء جمال ودلال العذارى يردن الماء.. يملأن القِرب ليعدن بها إلى الدور"، حيث مركزية البئر في البادية، وحيث يستحيل جِواره منتدىً لفتيات القرية يتناقلن لديها لأحاديث والأخبار مع لداتهن.. "هن بحكم الفراغ وفوران الشباب والناموس الاجتماعي تبادلنها في توثبات حلوة، وتعليقات ساخرة، أو ضاحكة".
ما إن يُصبح الفتى الغريب نقطة ارتكاز هامة في حياة البئر وقاصداته وجه الصبح، حتى يغدو موضع أسرارهن،ومحل معاكستهن المُستترة في خفرٍ مباح لا يتعدى القول الرقيق. على أن ذلك الفتى الحضري سيستنفر حذلقته لنيل إعجاب العذارى وانتزاع دهشتهن، ولو باستعراض ما لديه من حاجات المدن البدائية كالمرايا، وأدوات وأمتعة الحضر المعلومة من أقلام ومراسم وكتب وكراريس ودُمى !
حتى ذلك الصباح "من صباحات العمر".. حين جاءت مُزنة إلى البئرتحمل قربتها لتملأها، مشحونة بحرارة الإحساس الفطري الشاب كأنها قصيدة شعرية الألفاظ والتعابير، جاءت مُختالة دون أن تفتح فاهاً إلا بتحية الصباح في صوتٍ موسيقي لذيذ خافت، بما يكفي لزجّ الفتى الحضري في حُمّى الحُب، ليعود يومها مبكراً للدار بنفسٍ يشبه الزلزال.. "فقد سرت بدمائي حرارة مستحبة، وفي قلبي وجيب جديد،وبجسمي خدر حلو.. ولم يفارق عيني منظرها، منظر مُزنة.. الزهرة البرية الأولى في وادي الجدابيّة.. وادي الأعمق"!
كانت المحبوبة البدويّة تُخلّب لبّ الفتى الحضري من جديد.. إنه التاريخ إذ يعيدُ إنتاج نفسه






يتبع






  رد باقتباس
قديم 06-02-2010, 10:32 PM   #3

A S E M غير متواجد حالياً

إعلانات نصية :

افتراضي




حضران في بادية الحجاز (3-3)




كان البدو والفلاحون ينسلّون من معارجهم بين النجود الصغيرة ليجابهوا أعمالهم وأعباءهم بين المروج. كانوا يشقّون الأرض، ويوزِّعون المياه، ويجنون الخضراوات والأثمار، وبجانبهم النساء والبنات يساعدنهم في كل شيء، بل إنهن في واقعهن العملي إنما يقمن بالقسط الأكبر في حياة البيت والبستان اليومية- كما لاحَظَ أحمد قنديل منذ عشرينات القرن الماضي.
وسيأخذ اندهاش قنديل "الشاب" بالانحسار عما كان عليه في "عهدِ الصبا". في سنوات الشباب، حين مرّت أمام مِركازهم المكشوف في الطائف فتاة من فتيات ثقيف، من سكان الهدا.. لم يبد حينها تعجّبه وهي تُقرئهم السلام في فصاحة وشجاعة، وببساطة تشبه بساطة جدّاتها العربيات المسلمات.. "رانية إلينا بعينيها الدعجاوين تطلان في براءة من تحت شرفات جبينها الساطع دون أن تشعر بأن في إفشائها السلام على أبناء جنسها الذكور أية غضاضة أو أي خجل. فطرةٌ درجت عليها مثلما درج عليها الصبايا في أريافنا وبوادينا، سافرات السفور المعتاد لاينحدر به التقليد، أو يجافيه العُرف".
في رحلته البريّة من مكة إلى الرياض، عام 1938، مُقتاداً إلى المصمك، يروي الكاتب أحمد عبدالغفور عطار، في مخطوطته (بين السجن والمنفى) كيف أسلمه الطريق ورفاق الرحلة، إلى فزعة من "أخت رجال". وفيما هم مسترخون هنيهة في قرية (مَرات)، مرّت عليهم فتاة عميمة (تامة القوام والخُلُق) بدوية جميلة سمعت شكواهم بالجوع، فجاءتهم، دون تردد بتمرٍ نظيف ممتاز وبجبن جاف غليظ (مضير).. يروي العطار كيف دعاه أكله للتمر -الذي لم يعتد عليه كـ"حضري" إلا في إفطار رمضان- من يد تلك الحسناء البدوية إلى استحضار بيت أبي الطيب الشهير:

حسنُ الحضارة مجلوب بتطريةٍ ** وفي البداوة حسنٌ غير مجلوب
وبعد أيام.. فيما كان الموكب، المكون من ثلاث عربات، يستأنف سيره عن (مرات)، تهتف البدوية بأعلى صوتها راجية التمهل.. ويطيع السائق الميري (مِسفر).. حتى "دخلت (الفتاة) خِدرها ثم خرجت وبيدها كيس به تمر وأعطتنيه فقبلته شاكراً، وأخرجت من جيبي ريالين فضيين ومددت بهما إليها فأبت وحاولتُ فأصرت على الإباء".
ويؤسِّس الشقيقان المُغامِران؛ علي وعثمان حافظ، أول مدرسة نظامية في بادية الحجاز، في قرية (المسيجيد) تحديداً في شوال 1365/ سبتمبر 1946، أطلقا عليها اسم مدرسة (الصحراء). يعزوان صنيعهما إلى "الجهالة والأميّة التي تنتشر بين بادية تلك الواحات والمزارع انتشاراً مرعباً".
لقد وضعا نظاماً تعليمياً، وأوقفا حوافز مغريّة، تناهز خمسة قروش لكل دارس. ويتولى إدارة "مدرسة الصحراء" أرفع رجالات التعليم بالمدينة، سالم داغستاني، الذي تحمس للعمل، وتحمل التضحيات، انسجاماً مع عقيدة الكفاح الطاغية على أساتيذ ذلك الجيل. ولو ثمة مذكرات للداغستاني لوقفنا على صدى تجربة نابضة لكن المؤسف أن كثيرامن إنتاجنا الأدبي والتاريخي ضائع مفقود، طوته يد البلى، وأخفته الحوادث، أو ضنّ به أهلوه أن يخرج إلى النور. هكذا – إذاً- كانت الحاضرة تدفع أبناءها للتدريس في الوديان والفيافي المقفرة. كان الفوج الأول من مُدرّسي مدرسة الصحراء يضم: عبدالفتاح كابلي، محمود رشوان، صالح الإخميمي، حسن طوله، وجعفر الخِياري.
ولا تبدو تلك اللحظة ناشزة. فقد التأمت الحاضرة الحجازية بالبادية منذ عام 1308هـ/1890م.
ويؤرخ محمد حسين زيدان في (العهود الثلاثة)، أنه ما إن جاء عهد السلطان عبدالحميد، إلا وقد بدأ الرخاء ينتشر في المدينة المنورة، وبدأ الفصام يضمحل بين الحاضرة داخل السور أو خارجه، كما انتهى الخصام بين الحاضرة والبادية، "لا بدافع قوة الدولة ولا بوازع المصافاة وإنما هو بتأثير الرخاء والتعامل بالحلف، فما من حضري وله نخل خارج المدينة في العيون أو في العوالي وقربان وقباء إلا وله حليف من القبيلة ذات الشأن في ذلك الموقع".. ذلك الاستقرار دعا إلى مزيد من الاستثمار، فبدأ الكثيرون "من الحاضرة يعنون بصيانة ما يملكون من النخيل أو بزيادة الزرع من النخيل أو بالتوسع في زراعة الحنطة بأنواعها الثلاثة (اللقيمي، والحنطة،والمعية) وحتى الشعير، بل وأكثر من ذلك صيانة النواة علفاً للضرع والحيوان وتجارة رائجة".
هذا الصون أعطى الرخاء رخاء، فإذا كل أهل المدينة يلتفتون إلى اقتناء الضرع، ولم يكن هناك كبير يشمخ بنفسه عن فلاحة ما يملك من أرض؛ دياب ناصر في العقيلية، سعود دشيشة في الدوار، الخواجة في الغرس، الشريف شحات -قائم مقام المدينة- في سواله، الشريف ناصر في البدرية، صالح القاضي في الحسنية، عبدالله بن مسلم في قباء، الخاشقجي في الربعي، والرفاعي في الربع، والعباسية للعبابيس،والسراني في أبيار علي، والأنصاري في الناعمة، وزين العابدين مدني في المصرع شمال المدينة، ويوسف خشيرم في الخشيرمية، وابن جوعان وعبدالله بن دخيل وأخوه محماس في الجوعانية، والمفتي الداغستاني في المفتية، والوسيدي في أم البيض، ومعتوق خاشقجي في الشنيبلية، والشيخ طاهر سنبل في عين الغرابية، ومحمد محروس في العقيق، حتى الشريف عون الرفيق كان له بستان في قباء اشتراه منه السيد طه عثمان.. لكل وجيهٍ منهم حليفه من أكابر البادية.
فكان محمد محروس يزرع نخل الزهرة ورُمانها، يجلب لها المياه من عيون تعود لأرض مسروح الحربيّة، فيسقيها في أرض بني سالم الحربيّة. وليصون مايملك حالف من الأحامدة سعد بن جزا وبعده عساف، ومن ولد محمد حالف الحويفي، ومن مسروح حالف ابن ربيق شيخ بني عمر، كما حالف ابن موقد من كبار أشياخ عوف.
ماكادت الحاضرة تصالح البادية، وتتناغم مكوناتهما معاً، فإذا بالأرض تُعمَّر، والآبار تستثمر، والعيون تثمِر، حتى نال الإقليم الحجازي اكتفاءه الغذائي، بل وغشيت صادراته ضفاف الصعيد المصري. لقد لفّت البادية عباءتها السميكة على خاصرة الحاضرة الأنيسة حتى أنضجَ دفئها علاقات الأحلاف والمُصاهرة.. وأديبنا محمد حسين زيدان من عائلة مدينية حضرية، تعود أمه إلى قبيلة الفضول النجدية/الحجازية، كان يتباهى بتنوعّه ذلك، وينتخي بنشأته "في بيت شَعَر.. بدوياً آبداً"!
إنها علاقة سترسخ تحت راية الكيان السعودي الكبير، ثناءً لا بالكلام فقط وإنما بالوئام، تضيء في وجوه أبنائها بصمة الكيان الكبير، وتزول وصمة الفرق والتنابز بالألقاب والتنافس بالغارات- كما يفلسف الزيدان.
إن ذاكرتنا الحضارية، وتراثنا الوجداني، خليق بمبادرات العناية والتوثيق والصيانة.. قمين بنا أن نعكف عليه، وأن نعيش أجواءه، لنملأ صدورنا بعبق التاريخ، ولنتيح لأذهاننا أن تتملّى أجواءه إذ هو: نحن، في أصولنا وأعراقنا، ومنابت شخصيتنا الحديثة، ببصمتها الوحدوية، وبكل مكوّناتها الأصيلة، وفُسيفسائه االمُتداخِلة الزاهية.



مصدر المقالات :::


جريدة الوطن : الثلاثاء6 شعبان 1430 ـ 28 يوليو 2009 العدد 3224 ـ السنةالتاسعة






  رد باقتباس
قديم 06-02-2010, 10:48 PM   #4
...
 
صورة عضوية خــــــط الأحــلام

خــــــط الأحــلام غير متواجد حالياً

إعلانات نصية :

افتراضي

فديت الحجاز واهل الحجاز
بجد مقال روعه
تاريخ يكتب لاهل الحجاز

وش السعوديه بدون الحجاز




لا ابالغ أن قلت بأن ارقى العلاقات الإنسانيه وانبلها
هي العلاقة التي نشأت بين بادية الحجاز وحاضرته.



علاقة احترام وتقدير, ومنافع متبادله
واجلال لمكانة وقدر الأخر.



وليس كما صورها بعض الجهله من السفهاء
بأنها سلب ونهب وحقد وكره وضغينه.


وللأسف أن الكثير من ابناء الجيل الحالي حاضرة وباديه
تربوا على كره الأخر والنيل منه وإنتقاصه.



ولم يعلموا بأن اجدادهم على قلة الزاد حينها من العلم والمعرفه
كانوا قمة في النبل والرقي


وعرفوا أن لاغنى لأحدهم عن الأخر..




وكيف أن لفظة بدوي وحضري
ليست انتقاصاً كما يعدها الجهلة في وقتنا


بل هل كما قلت سابقاً توصيف لا اكثر.


ويتقبلها الأخر بإبتسامة عريضه
وبصدر رحب.




النص من بدايته لنهايته
انسكاب عذوبة وإبهار.



والحقيقه
أن مجرد ذكر قريش او الأشراف وثقيف
او حاضرة الحجاز المترفه (الطائف)
في اي نص



يكفي ليمنح النص بعداً اخر
وشموخاً ليس بعده شموخ..



فكيف حين تذكر المدينه
ويذكر امير حرب بن جزا !



اعتقد أن هذا تشريفٌ ليس بعده تشريف
لأي نص كان ..


الف شكر لهذا الكاتب
ومليون تحية لك ياحجازي على طرحك للموضوع الرائع






  رد باقتباس
قديم 06-02-2010, 11:06 PM   #5
...
 
صورة عضوية ياقوتة

ياقوتة غير متواجد حالياً

إعلانات نصية :

افتراضي

يعطيك الف عافية






  رد باقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الحجاز, باحدث, حضران

أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع اضافة مرفقات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل
Trackbacks are لا تعمل
Pingbacks are لا تعمل
Refbacks are لا تعمل



جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جرينتش +3. الوقت الآن 11:15 AM.

إعلانات نصية :



   ضمى نجد   

صحيفة ضمى نجد | تحويل روابط كيك KeeK | منتديات ضمى نجد | دليل ضمى نجد | طلب اعلان في ضمى نجد
المصحف الشريف | مصحف التجويد | زخرفة الأسماء | موسوعة الماسنجر | خريطة شبكة ضمى نجد
تلفزيون ضمى نجد | الاسماء ومعانيها | جالري ضمى نجد | يوتيوب ضمى نجد | العاب ضمى نجد
تحميل الصور والملفات الجوال البلاك بيري الجالكسي
تصفح اسرع للمنتدى



Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأي ضمى نجد ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
Privacy Policy