العودة   منتديات ضمى نجد > اقسام المنتديات الإسلامية > نفحات إيمانية عامة

فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه

فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه نفحات إيمانية عامة ; فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه إن فضيلة الصدق لها منزلة عظيمة ليس في دين الإسلام فقط بل في جميع الأديان، لا لأنه خُلق من الأخلاق الحميدة فحسب، بل لأنه أصل الإيمان المقبول عند الله عز وجل، وهو أساس النجاة من عذاب الله عز وجل ، وبه يتميز أهل الإيمان الحق من المنافقين الكاذبين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة الصدق: »وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين،والطريق الأقوم،الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين«... إلى أن يقول: »فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب ...

نفحات إيمانية عامة طرح المواضيع العامة في مختلف القضايا الاسلاميه



المواضيع الساخنة : شروط المنتدى , نظام الترقيات خصائص المنتدى , صندوق الادوات

شرح تغيير اسمك بنفسكـ في منتديات ضمى نجد

لكل بنات ضمى نجد ضروري !

مجلة ضمى نجد العدد السادس و العشرون

إعادة فتح الشات الكتابي ضمى نجد





رد
 
أدوات الموضوع أنماط العرض
قديم 16-11-2010, 01:47 AM   #1
...

هاشم هاشمي غير متواجد حالياً


افتراضي فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه

فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه

فضيلة الصدق وموقف الإسلام منه

إن فضيلة الصدق لها منزلة عظيمة ليس في دين الإسلام فقط بل في جميع الأديان، لا لأنه خُلق من الأخلاق الحميدة فحسب، بل لأنه أصل الإيمان المقبول عند الله عز وجل، وهو أساس النجاة من عذاب الله عز وجل ، وبه يتميز أهل الإيمان الحق من المنافقين الكاذبين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة الصدق: »وهو منزل القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين،والطريق الأقوم،الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين«... إلى أن يقول: »فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال،وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين ، ودرجته تالية لدرجة (النبوة) التي هي أرفع درجات العالمين«.
ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف في فضل الصدق وخطورة أمره وعلو شأنه.
ويعتبر خلق الصدق أساس الإيمان ، وركنه الركين ، وأساس قبول الطاعات والقربات عند الله عز وجل، وعليه يترتب الأجر والثواب يوم القيامة،قال تعالى:((ليجزي الله الصادقين بصدقهم)) الأحزاب ، آية 24.وقال تعالى:((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ تجري من تحتها الأنهار...)) المائدة ، آية 119.ولأنه أساس الطاعات وجماعها ، فقد أصبح الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: »الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها ، ويظهر ذلك من وجوه منها: أن الصدق هو المميز بين المؤمن والمنافق.
إن من يتصفح تاريخ الصحابة ويقتفي آثارهم فإذا هي شواهد حق على تغلغل فضيلة الصدق فيهم وشدة نفورهم ونقاء ساحتهم من الكذب وما يشبه الكذب .
هذا عمر رضي الله عنه يقول : أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسما ، فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا ، فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا.
وهذا علي كرم الله وجهه يقول: أعظم الخطايا عند الله عز وجل اللسان الكذوب .
ويقول مرة أخرى : إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه .
وإن شئتم فاعجبوا من سعيد بن المسيب وهو أحد من رباهم الصحابة رمدت عيناه مرة حتى بلغ الرمد خارجهما (والرمد وسخ أبيض من مجرى الدمع من العين ) فقيل له لو مسحت عينيك
فقال : وأين قول الطبيب لا تمس عينيك فأقول لا أفعل .
وتدبروا ما رواه مسلم بسنده عن مجاهد قال : جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله ، فجعل ابن عباس لا يأذن له ولا ينظر إليه .
فقال : يا ابن عباس ما لي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله ولا تسمع فقال ابن عباس إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف .
ومن هذا الورع البالغ والحذر الدقيق تحرج كثير من أكابر الصحابة .
وقال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني عن الأصمعي : قال إياس بن معاوية : امتحنت خصال الرجال فوجدت أشرفها صدق اللسان ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه .


تعريف الصدق:
قال الراغب: أصل الصدق والكذب في القول، ماضياً كان أو مستقبلاً وعدا كان أو غيره وقال أيضاً: والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه ومن انخرم شرط لم يكن صادقاً تاماً بل إما أن لا يوصف بالصدق وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، وقال أيضاً وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد نحو صدق ظني وكذب ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال صدق في القتال إذا أوفى حقه وفعل ما يجب، وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك.
من هنا يتبين أن الصدق يستعمل في القول وفي غيره، وقد قال الإمام الغزالي: إن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان، صدق في القول وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها.
قال الله تعالى : (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصدق يهدى إلى البر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" متفق عليه من حديث ابن مسعود .
ويكفي في فضيلة الصدق أن الصديق مشتق منه ، والله تعالى وصف الأنبياء به في معرض المدح والثناء فقال :( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ) وقال : (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا ) ، وقال تعالى : (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا) ، وقال ابن عباس : أربع من كن فيه فقد ربح الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر .
وقال بشر بن الحارث : من عامل الله بالصدق استوحش من الناس .
وقال أبو عبد الله الرملي : رأيت منصور الدينوري في المنام فقلت له : ما فعل الله بك قال غفر لي ورحمني وأعطاني ما لم أؤمل ، فقلت له : أحسن ما توجه العبد به إلى الله ماذا؟ قال : الصدق ، وأقبح ما توجه به الكذب .
وقال أبو سليمان : اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك ، وقال رجل لحكيم : ما رأيت صادقا ؟ فقال له : لو كنت صادقا لعرفت الصادقين .
وعن محمد بن علي الكناني قال : وجدنا دين الله تعالى مبنيا على ثلاثة أركان : على الحق والصدق والعدل ، فالحق على الجوارح ، والعدل على القلوب ، والصدق على العقول.
وقال الثوري في قوله تعالى : (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) قال : هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين .
وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود : من صدقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في علانيته .
وصاح رجل في مجلس الشبلي ورمى نفسه في دجلة فقال الشبلي : إن كان صادقا فالله تعالى ينجيه كما نجى موسى عليه السلام ، وإن كان كاذبا فالله تعالى يغرقه كما أغرق فرعون .
وقال بعضهم : أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة ، والهوى والصدق لله تعالى في الأعمال وطيب المطعم .
وقال وهب بن منبه : وجدت على حاشية التوراة اثنين وعشرين حرفا كان صلحاء بني إسرائيل يجتمعون فيقرءونها ويتدارسونها : لا كنز أنفع من العلم ، ولا مال أربح من الحلم ، ولا حسب أوضع من الغضب ، ولا قرين أزين من العمل ، ولا رفيق أشين من الجهل ، ولا شرف أعز من التقوى ، ولا كرم أوفى من ترك الهوى ، ولا عمل أفضل من الفكر ، ولا حسنة أعلى من الصبر ، ولا سيئة أخزى من الكبر ، ولا دواء ألين من الرفق ، ولا داء أوجع من الخرق ، ولا رسول أعدل من الحق ، ولا دليل أنصح من الصدق ، ولا فقر أذل من الطمع ، ولا غنى أشقى من الجمع ، ولا حياة أطيب من الصحة ، ولا معيشة أهنأ من العفة ، ولا عبادة أحسن من الخشوع ، ولا زهد خير من القنوع ، ولا حارس أحفظ من الصمت ، ولا غائب أقرب من الموت .
وقال محمد بن سعيد المروزي إذا طلبت الله بالصدق آتاك الله تعالى مرآة بيدك حتى تبصر كل شىء من عجائب الدنيا والآخرة
وقال أبو بكر الوراق : احفظ الصدق فيما بينك وبين الله تعالى ، والرفق فيما بينك وبين الخلق .
وقيل لسهل : ما أصل هذا الأمر الذي نحن عليه ؟ فقال : الصدق والسخاء والشجاعة .
فقيل : زدنا فقال : التقى والحياء وطيب الغذاء .
وعن الجنيد في قوله تعالى : (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال : يسأل الصادقين عند أنفسهم عن صدقهم عند ربهم وهذا أمر على خطر فإن حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه .
اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان : صدق في القول ، وصدق في النية والإرادة ، وصدق في العزم ، وصدق في الوفاء بالعزم ن وصدق في العمل ، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها ، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق .
وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها ، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق .
الحث على الصدق:
وقد ورد في القرآن الكريم مادة "صدق" في مواضع كثيرة من الآيات التي تحث على الصدق.
قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، وقد أمر المؤمنين في هذه الآية أن يكونوا مع الصادقين.
وقوله: (فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم) ، أي فإذا عزم صاحب الأمر فلو صدقوا الله فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو فلو صدقوا في إيمانهم وأطاعت قلوبهم فيه ألسنتهم لكان خيراً لهم، وفي الآية حث على الصدق.
وقد ورد كذلك في السنة الحث على الصدق، فقد ذكر البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه معلقاً عن أبي سفيان في حديث طويل عن الحوار الذي وقع بين هرقل عظيم الروم وبينه، فقد جاء فيه قول هرقل متوجهاً إلى أبي سفيان: فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
فضمير الغائب في قوله: إنه يأمركم، يعود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي من ضمن ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم.
وروى البخاري بسنده عن عبد الله رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى الناس وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.
هنا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصدق يهدي إلى البر وهو كما قال النووي: اسم جامع للخير كله.
وأما الكذب فيوصل إلى الفجور وهو الميل عن الاستقامة وقبل الانبعاث في المعاصي، والبر مطلوب ومأمور به والفجور مذموم ومنهى عنه.
وروى ابن ماجه بسنده عن أبي بكر حين قبض النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقاس هذا عام الأول ثم بكى أبو بكر، ثم قال: "عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، وسلوا الله المعافاه، فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من المعافاة، ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً، ففي هذا الحديث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق بقوله: عليكم بالصدق، ثم بين فضيلته.
من خلال هذه النصوص يتبين لنا أهمية الصدق ومدى حث الشرع عليه.
فضائل الصدق:
وقد دلت الآيات والأحاديث على فضيلة الصدق منها:
1- أنه سبحانه وتعالى يتصف به.
قال تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم لحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون)، يدل على أن الصدق من صفاته تعالى لأن الضمير "نا" الذي هو للتعظيم راجع إليه سبحانه وتعالى.
2- أنه صفة من صفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم أنه كان صديقاً نبياً) ، والصديق صيغة مبالغة من الصدق.
وقال أيضاً: (واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً).
وقال أيضاً: (واذكر في الكتاب ادريس إنه كان صديقاً نبياً) .
فإذا كان الرسل الذين قبل محمد صلى الله عليه وسلم يتصفون بهذه الصفة فمن باب أولى رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كان خاتمهم وأفضلهم وقد أطلق عليه الصحابة رضى الله عنهم الصادق المصدوق، مثال ذلك قول أبي هريرة رضى الله عنه: "سمعت الصادق المصدوق"، والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم.
3- إن الله ذكر الصديقين بلون مباشرة الأنبياء.
قال تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) ،فهذا يدل على علو مرتبة الصديقين، وبالتالي يدل على فضيلة الصدق، وقد بين الله تعالى أيضاً في هذه الآية أن الصديقين هم الذين أنعم الله عليهم.
4- أن الصدق مع البر وهما في الجنة.
والرسول صلى الله عليه وسلم حين أمر بالصدق كان متحلياً به، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يدعونه بالصادق المصدوق، كما تقدم بيانه آنفاً في هذا الموضوع، وكان أبو بكر رضى الله عنه ملقباً بالصادق وذلك لأنه يصدق جميع ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة رضى الله عنهم أنهم صادقون وإلا لم يكونوا موصوفين بالعدالة.
ومن آثار الصدق الذي تحلى به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنه انتشر في مجتمعهم البر وابتعد عن مجتمعهم الكذب والنفاق.
الصدق فى حياة النبى وسيرته العطرة دليل على نبوته:
ولنأخذ خلقا واحدا من أخلاقه على سبيل المثال وهو خلق الصدق:
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: « يَا صَبَاحَاهْ ».فَقَالُوا :مَنْ هَذَا فقالوا : محمد. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ :« يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ » فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ :« أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ » قَالُوا :مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ : « فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ». قَالَ أَبُو لَهَبٍ :تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ؟! ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) .
فانظر إلى قولهم : (ما جربنا عليك كذبا) 0يعنى ولا حتى مرة واحدة ، قيلت هذه الكلمة أمام هذه الجموع، ولم ينكرها أحد، مع أنه عاشرهم أربعين سنة قبل أن يبعث ، ومع هذا ما جربوا عليه كذبا قط.
بل حتى من لم يعرفه كان إذا رآه علم أنه صادق :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ :لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ :قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ،فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ،وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ :« أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ » .
يقول ابن رواحة -رضي الله عنه-:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ كانت بداهته تنبيك بالخبر
ومن سمع كلامه علم صدقه ؛ فقد روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ :أَنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ :إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ :لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ :فَلَقِيَهُ فَقَالَ :يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ ، فَهَلْ لَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) :« إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ» . قَالَ : فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ . فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ : فَقَالَ : لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ . قَالَ : فَقَالَ : هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ :فَبَايَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) :« وَعَلَى قَوْمِكَ ؟» قَالَ :وَعَلَى قَوْمِي . قَالَ :فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) سَرِيَّةً فَمَرُّوا بِقَوْمِهِ، فَقَالَ صَاحِبُ السَّرِيَّةِ لِلْجَيْشِ :هَلْ أَصَبْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ شَيْئًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَصَبْتُ مِنْهُمْ مِطْهَرَةً . فَقَالَ :رُدُّوهَا ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمُ ضِمَادٍ) .
واسمع لهرقل عظيم الروم -وكان من علماء النصارى- كيف استدل بهذا الخلق على صدق رسالة النبي ( صلى الله عليه وسلم )؛ عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ : أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ :أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ :أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ :أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ . ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ :قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ . فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ،ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ :كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قُلْتُ :هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ . قَالَ :فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ ؟ قُلْتُ :لَا. قَالَ :فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ :لَا. قَالَ :فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ ؟ فَقُلْتُ :بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ :أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ :بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ :فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ ؟ قُلْتُ : لَا . قَالَ :فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ :لَا . قَالَ :فَهَلْ يَغْدِرُ ؟ قُلْتُ : لَا ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ :وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ .قَالَ :فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قُلْتُ :نَعَمْ. قَالَ :فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ:مَاذَا يَأْمُرُكُمْ ؟ قُلْتُ :يَقُولُ : اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ :قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ : لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ : رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ . وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ : فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ : رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيه،ِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ،وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ ،وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ ،وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ ،وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ؛ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ ،وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، ولَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ ،فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ،ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( قَالَ أَبُو سُفْيَانَ :فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا ،فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ ،فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ . وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ، وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ: أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ -قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ : وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ- فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ :إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ، فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ:هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ : هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ.ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ( وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرَّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ :رُدُّوهُمْ عَلَيَّ ،وَقَالَ :إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا، أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ ) ؛ فهرقل استدل بسيرته على صدقه ، وشهد له بالصدق أبو سفيان الذي كان في وقتها من ألد أعدائه، فهو رأس قريش وقائدهم.
إذن :من عاشره شهد بصدقه ، ومن رآه من أول وهلة شهد بصدقه ،ومن سمع كلامه شهد بصدقه، ومن سمع عنه ولم يره شهد بصدقه ، وعدوه شهد بصدقه، فهل بعد هذا مطعن فيه؟.
ومن المعلوم ضرورة أنه لا يمكن لرجل كاذب، مداوم على الكذب، ويدعي كل يوم أنه أتاه وحي جديد من الله تعالى، ومع هذا لم يستطع أحد أن يلاحظ ذلك عليه ويعرف حقيقته ، فإنه من كان في قلبه خلاف ما يبطن فلا بد أن يزل، وأن تعرف حقيقته بفلتات لسانه ولحن قوله، كما قال تعالى عن المنافقين :( وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ( [محمد:30].
وقد روي عن عثمان بن عفان ( أنه قال :( ما أسر أحد سريرة إلا أبداها على صفحات وجهه وفلتات لسانه) .
(و اعلم أنك مهما أزحت عن نفسك راحة اليقين. وأرخيت لها عنان الشك، وتركتها تفترض أسوأ الفروض في الواقعة الواحدة، والحادثة الفذة من هذه السيرة المكرمة، فإنك متى وقفت منها على مجموعة صالحة، لا تملك أن تدفع هذا اليقين عن نفسك، إلا بعد أن تتهم وجدانك و تشك في سلامة عقلك ، فنحن قد نرى الناس يدرسون حياة الشعراء في أشعارهم، فيأخذون عن الشاعر من كلامه صورة كاملة؛ تتمثل فيها عقائده، وعوائده، وأخلاقه، ومجرى تفكيره، و أسلوب معيشته، و لا يمنعهم زخرف الشعر و طلاؤه عن استنباط خيلته ، وكشف رغوته عن صريحه ؛ ذلك أن للحقيقة قوة غلابة تنفذ من حجب الكتمان، فتُقرأ بين السطور و تُعرف في لحن القول ، و الإنسان مهما أمعن في تصنعه و مداهنته لا يخلو من فلتات في قوله وفعله، تنم على طبعه إذا أُحفِظ أو أُحرج، أو احتاج أو ظفر، أو خلا بمن يطمئن إليه .
و مهما تكن عند امرئ من خليقة و إن خالها تخفى على الناس تعلم
فما ظنك بهذه الحياة النبوية، التي تعطيك في كل حلقة من حلقاتها مرآة صافية لنفس صاحبها، فتريك باطنه من ظاهره، و تريك الصدق و الإخلاص ماثلاً في كل قول من أقواله و كل فعل من أفعاله . بل كان الناظر إليه إذا قويت فطنته و حسنت فراسته، يرى أخلاقه العالية تلوح في محياه و لو لم يتكلم أو يعمل . و من هنا كان كثير ممن شرح الله صدورهم للإسلام لا يسألون رسول الله على ما قال برهاناً ، فمنهم العشير الذي عرفه بعظمة سيرته ؛ و منهم الغريب الذي عرفه بسيماه في وجهه) كما حصل لعبد الله بن سلام.
ثم إن الكاذب لو استطاع أن يكذب على كل الناس ؛ فإنه لن يكذب على نفسه ويصدِّقُ كذبه ،
ومن هذه الأمثلة على هذه الحقيقة قوله تعالى : ( يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( [المائدة:67].
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :كَانَ النَّبِيُّ ( يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ( فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ ، فَقَالَ لَهُمْ :« يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ». ، فهل هذا فعل كاذب ، كيف لكاذب أن يطرد الذين يحرسونه بزعم أن الله سيعصمه، وهو يعلم في قرارة ذاته كذب نفسه ،والعرب قد رمته عن قوس واحدة تتربص له في كل طريق ، ألا يخاف أن يغتال ؟!.
إن هذا الأمر لا يفعله إلا رجل صادق، يأوي إلى ركن شديد، واثق من أن الذي أرسله سيحميه من كل المخاطر.
ومن هذا الباب حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ، فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا. قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ ،فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ( فَاخْتَرَطَهُ ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) : أَتَخَافُنِي ؟ قَالَ :« لَا ». قَالَ :فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قَالَ :« اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ». وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) فَجِئْنَا، فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ : « إِنَّ هَذَا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي مُخْتَرِطٌ صَلْتًا ، قَالَ :مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ قُلْتُ :« اللَّهُ ،فَشَامَهُ -يعني أدخله في غمده- ثُمَّ قَعَدَ فَهُوَ هَذَا » . قَالَ: وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ) .
(ومن أعظم الوقائع تصديقا لهذا النبأ الحق، ذلك الموقف المدهش الذي وقفه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة حنين ، منفرداً بين الأعداء، وقد انكشف المسلمون وولوا مدبرين، فطفق هو يركض بغلته إلى جهة العدو، والعباس بن عبدالمطلب آخذ بلجامها يكفها إرادة ألا تسرع ، فأقبل المشركون إلى رسول الله ( ، فلما غشوه لم يفر ولم ينكص، بل نزل عن بغلته كأنما يمكنهم من نفسه، وجعل يقول:« أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » . كأنما يتحداهم ويدلهم على مكانه، فوالله ما نالوا منه نيلا، بل أيده الله بجنده، وكف عنه أيديهم بيده) .
ومن لطيف الاستدلال - في هذا المقام - استدلال بعضهم لصدقه بزواجه من أكثر من تسع نسوة ؛ ووجه ذلك أن الإنسان الكاذب قد يستطيع أن يتحرز من الناس في حياته الخارجية، بحيث لا يستطيع أحد أن يجد عليه كذبا ، لكن هذا لا يحصل للإنسان مع زوجته؛ فإن العادة جرت بسقوط كلفة وانبساط الرجل مع أهله ، وزوجته أعلم الناس بحاله ، فلما كان احتمال أن هذه الزوجة تتواطأ مع زوجها في إخفاء كذبه ؛ إذن للنبي ( أن يكثر من الأزواج، فالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) مع كثرة أزواجه لم تنقل إحداهن عن حياته الخاصة إلا كل كمال يمكن أن يوصف به إنسان ، فلو أمكن أن تتواطأ واحدة ، فإنه لا يمكن أن يتواطأن كلهن على ستر كذبه، وإخفاء عيبه فهذا في غاية من البعد ، لاسيما أن بعضهن كصفية بنت حيي بن أخطب، التي تزوجها بعد أن حارب قومها، وقتل منهم الكثير، ثم سباها ثم أعتقها وتزوجها ،وأم حبيبة كان متزوجا لها وهو يحارب أباها أبا سفيان ، وجويرية بنت الحارث كانت من سبايا بني المصطلق، ثم أعاناها على مكاتبتها وتزوجها ( ) ، ألم يكن لهؤلاء النسوة أكبر دافع للثأر منه، ولو بتشويه صورته حتى لو بعد موته ؟ بلى ، ولكن كل هذا لم يحصل فدل على صدقه.
فهذا خلق واحد من أخلاقه ( اُستدل به على صحة نبوته ؛ فما بالك بأخلاقه الأخرى.






  رد باقتباس
قديم 16-11-2010, 01:56 AM   #2
...

تشيز كيك غير متواجد حالياً


افتراضي

جزاك الله خير






  رد باقتباس
قديم 16-11-2010, 02:08 AM   #3
...

آشواك ناعمة غير متواجد حالياً


افتراضي







  رد باقتباس
قديم 16-11-2010, 02:39 AM   #4
...

اياد بكر غير متواجد حالياً


افتراضي

جزاك الله خير العمل






  رد باقتباس
قديم 16-11-2010, 02:41 AM   #5
...

معاني الود غير متواجد حالياً


افتراضي

جزاك الله خير






  رد باقتباس
رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الصدق, الإسلام, فضيلة, وموقف

أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع اضافة مرفقات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل
Trackbacks are لا تعمل
Pingbacks are لا تعمل
Refbacks are لا تعمل



جميع تواقيت المنتدى بتوقيت جرينتش +3. الوقت الآن 11:26 AM.


   ضمى نجد   

صحيفة ضمى نجد | شات ضمى نجد | منتديات ضمى نجد | دليل ضمى نجد | طلب اعلان في ضمى نجد
المصحف الشريف | مصحف التجويد | زخرفة الأسماء | موسوعة الماسنجر | خريطة شبكة ضمى نجد
تلفزيون ضمى نجد | الاسماء ومعانيها | جالري ضمى نجد | يوتيوب ضمى نجد | العاب ضمى نجد
تحميل الصور والملفات الجوال البلاك بيري الجالكسي
تصفح اسرع للمنتدى



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1
المشاركات المنشورة لا تعبر عن رأي ضمى نجد ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)